: تعريف الاستمناء : Masturbation

    فإن العبث في الأعضاء التناسلية ـ لكلاً من الرجال والنساء ـ بطريقه مستمرة ومنتظمة بغية استدعاء الشهوة أو خروج المني ، أو كلاهما معاً .. عمل له عدة مصطلحات ، وأشهرها ما يسمى بـ " العادة السرية " ..!!
    والحقيقة أن هذه العادة ليست بسرية ، وإنما هي عادة ـ عادة جهرية ـ لا تخفى على عالم الغيب والشهادة .. لا تخفى على من يعلم السر وما أخفى .. فلماذا إذاً تسمى ـ لدى العامة ـ بالعادة السرية ‍‍‍!!
    فإن قيل : لأن الممارس يقوم بها ـ غالباً ـ في خفاء وبمعزل عن الناس ..
    أقول : فمن الذي يستحق أن يخشى ويستحي منه . الله تعالى أم العيد ، فقد قال الله تعالى ـ حكاية عن لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه ـ : { بابني إنها إن تك مثقال حبة من خردلٍ فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله . إنّ الله لطيف خبير } لقمان : 16 .
     قلت : تأمل في الأسلوب الرائع الذي وعظ به لقمان ابنه ، وهو يبين له في صورة بلاغية رائعة ، سعة علم الله واحاطته بجميع الأشياء ـ ومنها ممارسة هذه العادة ـ صغيرها وكبيرها .. دقيقها وجليلها ..!! وقد بين له أن الله تعالى مطلع على الأمور ، لا تخفى عليه خافيه .. لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء .. !!
     فلو أن حبة من خردل متناهية في الصغر وكانت في بطن صخرة صماء أو كانت في أرجاء السماوات أو في أطراف الأرض لعلم الله تعالى مكانها ولأتى بها سبحانه وتعالى ... الله أكبر !!
     لا إله إلا الله أحاط علمه بكل شيء ... يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء .. يرى مخ ساقها وجريان الدم في عروقها .. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فأين يختبئ منه العاصي إذا أراد أن يعصيه ؟!! قال الله U { فأين تذهبون } التكوير :26    
     فكيف إذاً تسمى هذه الممارسة بالعادة السرية ..!! وكيف يمارسها المسلم وهو يعلم علم اليقين أن الله ينظر إليه ومطلع على حركاته وسكناته ؟!!
    قال سيد قطب ـ رحمه الله ـ في تفسير الآية السابقة [[1]]  " وما يبلغ تعبير مجرد عن دقة علم الله وشموله ، وعن قدرة الله سبحانه ، وعن دقة الحساب وعدالة الميزان ما يبلغ هذا التعبير المصور . وهذا فضل طريقة القرآن المعجزة الجميلة الأداء ، العميق الإيقاع ..
    حبة من خردل . صغيرة ضائعة لا وزن لها ولا قيمة { فتكن في صخرة } .. صلبة محشورة فيها لا تظهر ولا يتوصل إليها . { أو في السماوات } .. في ذلك الكيان الهائل الشاسع الذي يبدو فيه النجم الكبير ذو الجرم العظيم نقطة سابحة أو ذرة تائهة . { أو في الأرض } ضائعة في ثراها وحصاها لا تبين . { يأت بها الله } .. فعلمه يلاحقها ، وقدرته لا تفلتها . { إن الله لطيف خبير } .. تعقيب يناسب المشهد الخفي اللطيف .
    ويظل الخيال يلاحق تلك الحبة من الخردل في مكامنها تلك العميقة الوسيعة ويتملى علم الله الذي يتابعها . حتى يخشع القلب وينيب ، إلى اللطيف الخبير بخفايا الغيوب . وتستقر من وراء ذلك تلك الحقيقة التي يريد القرآن إقرارها في القلب . بهذا الأسلوب العجيب . " ا.هـ [[2]]
     عجباً لحال المسلم .. فإلى هذه الدرجة ـ يا أيها الناس ـ هان الله في نظر الممارس .. حتى أصبح أهون الناظرين إليه ..
     فلو كان أمام الممارس ـ سنبين إن شاء الله حكم الاستمناء بيده أو بيد زوجته ـ أحد من الناس ولو طفل صغير ينظر إليه .. أكان يجرؤ على مواقعة المعصية أمامهم !!  أين نحن من قول الله U {  أتخشونهم . فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } التوبة : 13 .
     فإن الممارس لا يقوم بهذا الفعل إلا أن تكون خشيته وخوفه من الله ، أصبحت ضعيفة هشة لا وزن لها .. لا تلامس حرارة قلبه .. مما يؤدي به المطاف إلى أنه لا يمتنع عن فعل هذه العادة ـ وغيرها من المعاصي ـ أمام الناس إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب منهم وليس من الله المطلع عليه ..
    والله تعالى عقب على سؤاله ـ { أتخشونهم } ـ بما هو أشد استجاشة للقلوب من هذا السؤال .. { فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } . فمن أحق أن يخشى منه يا عبد الله .. أحق أن يستحى منه .. أهو الله أم العبيد !!
    متى نستشعر عتاب الله لنا ، عندما قال الله U { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } الحديد : 27 .
    هل نحن نتأثرنا ونستشعر مدى خطورة عتاب الله لنا .. لماذا نستبطئ الاستجابة الكاملة والخضوع التام لأمر الله ..؟!!  لماذا نرتكب أمثال هذه المعصية مع الكريم !!.. الذي أفاض علينا من نعمه الظاهرة والباطنة التي لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يحصيها ..!!
   لماذا لا نتأثر بهذا العتاب الذي فيه الود .. وفيها الحض .. وفيه الاستجاشة بجلال الله وقدرته .. والخشوع والراحة بذكره .. ونتلقى ما نزل من الأوامر بما يليق بجلال الحق من الخشية والاستسلام والطاعة والخضوع التام له ..
    إن هذا القلب البشري سريع التقلب .. سريع النسيان  .. فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير وخوف وخشيه تبلد ، وانطمس .. وأظلم وأعتم !! فلا بد من التذكير والعمل بما يحبه الله ويرضاه .. لابد من اليقظة الدائمة ـ يا عبد الله ـ ومراقبة الله في السر والعلن كي لا يصاب القلب بالتبلد والقساوة ..
    فإن قيل : إن القلب يا أبا تيميه قد أصيب بهذا فما هو الحل !!..
    أقول : إن على المسلم أن لا ييأس من قلبه الخامد الجامد القاسي .. فإنه بقدر الله وقوته يمكن أن تدب في القلب الحياة وأن يشرق فيه النور .. وأن يخشع لذكر الله .. عند التوبة النصوح الخالصة ـ سنشير لشروط التوبة إن شاء الله ـ الباعثة للعمل والاجتهاد .. فإن الله يحي الأرض بعد موتها ، فتنبض الحياة وتزخر بالنبت والزهر ، وتمنح الأكل والثمار وكذلك القلوب حين يشاء الله تعالى .. فلا تيأس يا عبد الله ، اصدق في توبتك مع الله واستعن به ، فإن الله يحب التوابين ويحب أن يُحب .
    وإنني أعيذ نفسي وإخواني من أن نتصف بسمات المنافقين ، والتي منها ما قاله الله U { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول . وكان الله بما يعملون محيطاً } النساء : 108 .
    قال نخبة من العلماء في تفسير هذه الآية [[3]] : " يستترون من الناس خوفاً من إطلاعهم على أعمالهم السيئة ، ولا يستترون من الله تعالى ولا يستحيون منه وهو عز شأنه معهم بعلمه ، مطلع عليهم حين يدبرون ـ ليلاً ـ ما لا يرضى من القول ، وكان الله ـ تعالى ـ محيطاً بجميع أقوالهم وأفعالهم ، لا يخفى عليه منها شئ . " ا.هـ
    فقد تبين مما سبق ـ ولله الحمد والمنة والفضل ـ أن مصطلح " العادة السرية " ليس بصحيح إن كان الممارس يقصد به أنه لا يطلع عليه أحد ـ لو شك المسلم أو اعتقد بأن الله U لا يطلع عليه أو تردد في ذلك أو استحله أو جحده أو تفاخر بهذا ، فهو كافر مرتد عن الدين ، لأنه مكذب لنصوص القرآن والأحاديث القطعية الدلالة في هذا الشأن ، وإنما لو اعتقد أن الله مطلع عليه ولكن لضعف إيمانه وكثرة تسلط الشياطين عليه وطغيان شهوته عليه من دون نفي إطلاع الله عليه ، ثم مارس هذه العادة فهو عاصي مذنب إن شاء غفر له الله وإن شاء عذبه ، ولكن لا يخلد في النار من مات لا يشرك بالله شيئاً من مات على التوحيد [[4]] ـ بما فيهم الله تعالى U، وإنما لو كان قصده بأن الخلق لا يطلعون عليه دون الله ، فهو محق ـ غالباً ـ ولكن هذا لا يعني تبرير فعل هذه العادة ، لأن الله U أحق أن يستحى منه ويخشى منه وليس العبيد !! .
     ولهذه العادة مسميات ، فتسمى كذلك بـ" الاستمناء "  أي : " استدعاء خروج المنى " ا.هـ [[5]] . وكذلك تسمى بـ " الخضخضة " [[6]].
     وتسمى أيضاً بـ " نكاح اليد " أو بـ " نكاح اليمين " لما ورد من الأحاديث في ذلك ، ولكنها بأسانيد ضعيفة لا ترقى إلى صحتها . وتسمى هذه العادة كذلك بـ " جَلد عُميرة  " عند العرب .
     قال الشاعر :
    إذا حللت بوادٍ لا أنيس به ..
                                    فاجلد عميرةَ لا عارٌ ولا حرج ..
     لطيفة : قد ذكر في نوادر المغفلين، أن مغفلاً كانت أمه تملك جارية تسمى بـ " عُميرة " فضربتها مرة ، فصاحت الجارية، فسمع قوم صياحها، فجاءوا وقالوا ما هذا الصياح ؟!! فقال لهم ذلك المغفل : لا بأس ، تلك أمي كانت تجَلد عُميرة .!!
     أقول : إن هذه العادة تختلف من ممارس لآخر .. من حيث الوسائل والطرق ومعدل الممارس .. فمنهم من يمارساها بشكل مستمر ومنتظم يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً ومنهم من يمارسها بشكل غير منتظم ، بل ربما يصل الممارس بعمل هذه العادة إلى عدة مرات يوميا، ومنهم من يمارسها عند الوقوع على أمر محرك للشهوة بقصد أو بدون قصد ..
     وتنتهي هذه العملية عند البالغين بإنزال المني ، وعند الصغار بالاستمتاع فقط دون الإنزال لصغر السن . 


[1]  لقمان : 16
[2]  في ظلال القرآن 5 / 2789 .
[3]  التفسير الميسر ص96 . 
[4]  قال النووي في شرحه لصحيح مسلم 1 / 217 : " فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل ، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل ، هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة . " ا.هـ
[5]  انظر لسان العرب .
[6]  قاله صاحب أضواء البيان في المسألة الثالثة عند تفسيره لسورة المؤمنون من الآية 1- 9